أحمد بن أعثم الكوفي

261

الفتوح

الحرب من إن نام عنها لم تنم عيناه ، ومن غفل أوذي ، ومن ضعف ذل ، ومن ترك الجهاد في الله كان المغبون المهين ، اللهم اجمعنا على التقوى وجنبنا وإياهم البلوى ، واجعل الآخرة لنا ولهم خيرا من الأولى . قال : فلما فرغ من خطبته أجابه الناس سراعا ، فاجتمع إليه أربعة آلاف رجل أو يزيدون . قال : فخرج بهم من الكوفة وبين يدي عدي بن حاتم الطائي يرفع صوته وهو يقول : نسير إذا ما كاع قوم وبلدوا * برايات صدق كالنسور الخوافق إلى شر قوم من شراة تحزبوا * وعادوا إله الناس رب المشارق طغاة عماة مارقين عن الهدى * وكل لعين قوله غير صادق وفينا علي ذو المعالي يقودنا * إليهم جهارا بالسيوف البوارق قال : وسار علي رضي الله عنه حتى نزل على فرسخين من النهروان ، ثم دعا بغلامه فقال له : اركب إلى هؤلاء القوم وقل لهم عني : ما الذي حملكم على الخروج علي ألم أقصد في حكمكم ؟ ألم أعدل في قسمكم ؟ ألم أقسم فيكم فيئكم ؟ ألم أرحم صغيركم ؟ ألم أوقر كبيركم ؟ ألم تعلموا أني لم أتخذكم خولا ، ولم أجعل مالكم نفلا ؟ وانظر ماذا يردون عليك ! وإن شتموك فاحتمل ، وإياك أن ترد على أحد منهم شيئا . قال : فأقبل غلام علي حتى أشرف على القوم بالنهروان ، فقال لهم ما أمره به ، فقالت له الخوارج : ارجع إلى صاحبك فلسنا نجيبه إلى شيء يريده أبدا ، وإنا نخاف أن يردنا بكلامه الحسن كما رد إخواننا بحروراء عبد الله بن الكواء ( 1 ) وأصحابه ، والله تعالى يقول : ( بل هم قوم خصمون ) ( 2 ) ، ومولاك علي منهم فارجع إليه وخبره بأن اجتماعنا ههنا لجهاده ومحاربته لا لغير ذلك . قال : فرجع الغلام إلى علي وأخبره بما سمع من القوم ، قال فعندنا كتب إليهم علي كرم الله وجهه .

--> ( 1 ) وكان علي قد ناظر الخوارج بعد خروجهم واستطاع إقناع كثيرين أن يعودوا إلى إخوانهم ، وكان منهم عبد الله بن الكواء وقد قال لعلي يومئذ : إننا لا ننكر أننا قد فتنا ، وقد رجعوا وانصرفوا مع علي إلى الكوفة . ( 2 ) سورة الزخرف الآية 58 .